القرطبي

78

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وشارب مربح بالكأس نادمني * لا بالحصور ولا فيها بسوار ( 1 ) وفي التنزيل " وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " [ الاسراء : 8 ] ( 2 ) أي محبسا . والحصير الملك لأنه محجوب . وقال لبيد : وقماقم ( 3 ) غلب الرقاب كأنهم * جن لدى باب الحصير قيام فيحيى عليه السلام حصور ، فعول بمعنى مفعول لا يأتي النساء ، كأنه ممنوع مما يكون في الرجال ، عن ابن مسعود وغيره . وفعول بمعنى مفعول كثير في اللغة ، من ذلك حلوب بمعنى محلوبة ، قال الشاعر : فيها اثنتان وأربعون حلوبة * سودا كخافية الغراب الأسحم ( 4 ) وقال ابن مسعود أيضا وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء وأبو الشعثاء والحسن والسدي وابن زيد : هو الذي يكف عن النساء ولا يقربهن مع القدرة . وهذا أصح [ الأقوال ( 5 ) لو ] جهين : أحدهما أنه مدح وثناء عليه ، والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسب دون الجبلة في الغالب . الثاني أن فعولا في اللغة من صيغ الفاعلين ، كما قال ( 6 ) : ضروب بنصل السيف سوق سمانها * إذا عدموا زادا فإنك عاقر فالمعنى أنه يحصر نفسه عن الشهوات . ولعل هذا كان شرعه ، فأما شرعنا فالنكاح ، كما تقدم . وقيل : الحصور العنين الذي لا ذكر له يتأتى له به النكاح ولا ينزل ، عن ابن عباس أيضا وسعيد ابن المسيب والضحاك . وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى

--> ( 1 ) سوار : معربد وثاب . وقد روى " سآر " بوزن سعار ، أي أنه لا يسئر في الاناء سؤرا بل يشتفه كله . ( 2 ) راجع ج 10 ص 224 . ( 3 ) القماقم من الرجال : السيد الكثير الخير الواسع الفضل . والقماقم العدد الكثير . ( 4 ) البيت لعنترة العبسي في معلقته . والخوافي : أواخر ريش الجناح مما يلي الظهر . ( 5 ) كذا في د . قلت : هذا هو اللائق بالعصمة النبوية . ( 6 ) البيت لأبي طالب بن عبد المطلب . مدح رجلا بالكرم فيقول : يضرب بسيفه سوق السمان من الإبل للأضياف إذا عدموا الزاد ولم يظفروا بجواد لشدة الزمان وكلبه ، وكانوا إذا أرادوا نحر الناقة ضربوا ساقها بالسيف فخرت ثم تحروها . ( عن شرح الشواهد ) .